الشوكاني

403

فتح القدير

إضراب وانتقال من إظهار بطلان كونها آلهة بالبرهان السابق إلى إظهار بطلان اتخاذها آلهة مع توبيخهم بطلب البرهان منهم ، ولهذا قال ( قل هاتوا برهانكم ) على دعوى أنها آلهة ، أو على جواز اتخاذ آلهة سوى الله ، ولا سبيل لهم إلى شئ من ذلك ، لا من عقل ولا نقل ، لأن دليل العقل قد مر بيانه ، وأما دليل النقل فقد أشار إليه بقوله ( هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ) أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع ذكر أمتي وذكر الأمم السالفة وقد أقمته عليكم وأوضحته لكم ، فأقيموا أنتم برهانكم . وقيل المعنى : هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي فانظروا هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إله سواه . قال الزجاج : قيل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولا من الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلها غير الله ، فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي إلا توحيد الله ؟ وقيل معنى الكلام الوعيد والتهديد : أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء . وحكى أبو حاتم أن يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف قرآ : هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بالتنوين وكسر الميم ، وزعم أنه لا وجه لهذه القراءة . وقال الزجاج في توجيه هذه القراءة إن المعنى هذا ذكر مما أنزل إلي ومما هو معي وذكر من قبلي . وقيل ذكر كائن من قبلي : أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي . ثم لما توجهت الحجة عليهم ذمهم بالجهل بمواضع الحق فقال ( بل أكثرهم لا يعلمون الحق ) وهذا إضراب من جهته سبحانه وانتقال من تبكيتهم بمطالبتهم بالبرهان إلى بيان أنه لا يؤثر فيهم إقامة البرهان لكونهم جاهلين للحق لا يميزون بينه وبين الباطل . وقرأ ابن محيصن والحسن " الحق " بالرفع على معنى هذا الحق ، أو هو الحق ، وجملة ( فهم معرضون ) تعليل لما قبله من كون أكثرهم لا يعلمون : أي فهم لأجل هذا الجهل المستولي على أكثرهم معرضون عن قبول الحق مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول ، فلا يتأملون حجة ، ولا يتدبرون في برهان ، ولا يتفكرون في دليل ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه ) قرأ حفص وحمزة والكسائي " نوحي " بالنون ، وقرأ الباقون بالياء : أي نوحي إليه ( أنه لا إله إلا أنا ) وفى هذا تقرير لأمر التوحيد وتأكيد لما تقدم من قوله ( هذا ذكر من معي ) وختم الآية بالأمر لعباده بعبادته ، فقال ( فاعبدون ) فقد اتضح لكم دليل العقل ، ودليل النقل وقامت عليكم حجة الله . وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله ( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ) قال : شرفكم . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : فيه حديثكم . وفى رواية عنه قال : فيه دينكم . وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : بعث الله نبيا من حمير يقال له شعيب ، فوثب إليه عبد فضربه بعصا ، فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شئ ، وفيهم أنزل الله - وكم قصمنا - إلى قوله - خامدين - وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن الكلبي في قوله ( وكم قصمنا من قرية ) قال : هي حضور بني أزد ، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ( وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ) قال : ارجعوا إلى دوركم وأموالكم . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( فما زالت تلك دعواهم ) قال : هم أهل حضور كانوا قتلوا نبيهم ، فأرسل الله عليهم بختنصر فقتلهم ، وفى قوله ( فجعلناهم حصيدا خامدين ) قال : بالسيف ضرب الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى مساكنهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال حدثني رجل من الجزريين قال : كان اليمن قريتان ، يقال لإحداهما حضور وللأخرى قلابة ، فبطروا وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم ، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبيا فدعاهم فقتلوه ، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم ، فجهز لهم جيشا ، فقاتلوهم فهزموا جيشه فرجعوا منهزمين إليه ، فجهز إليهم جيشا آخر أكثف من الأول ، فهزموهم أيضا ، فلما رأى بختنصر ذلك